محمد أبو زهرة

3527

زهرة التفاسير

يَعْمَهُونَ أي يتخبطون ويتحيرون ، ومنشأ الحيرة أن فطرهم تدعوهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم ولكنهم يطمسونها بأهوائهم وملذاتهم وسلوكهم ، فهم في حيرة نفسية ، وإن من الحيرة إيمانهم بأن اللّه خالق كل شئ وأنه المستعان عند الشدائد ، وهو إذا أغاثهم عادوا كما بدءوا ، كما يقول تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 ) . ذكرنا في مواضع كثيرة أن العرب كانوا يعرفون اللّه ولكن يشركون معه عبادة الأوثان ، وغيرهم ما كان يعرف اللّه إلا مع ثلاثة ، أو يعرفونه حالا في بعض خلقه ، أو لا يعرفونه قط ، فالعرب كانوا خيرا منهم إن كان في الشر خيار ، فكانوا يعرفون أن اللّه وحده خالق الكون وأنه يلجأ إليه في الشدة ، وأنه ليس مثله أحد من خلقه ، ولكنهم يشركون في عبادته وبذلك ضلوا ضلالا بعيدا . ومما يدل على التجائهم في الشدة الالتجاء إليه في المرض الذي لا يعرفون سببه وتتعدد أحواله ، كما تذكرنا الآية الكريمة وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ وهنا بيان الحقيقة وكمالها ، أي الضر الذي بلغ حدا لا يعرفون له علاجا ولا دواء ، وأن الإنسان بإنسانيته المفطورة على الضعف يلجأ إلى ربه دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً واللام في لِجَنْبِهِ بمعنى ( على ) وهي حال كونه مضطجعا على جنبه أو ملقى على جنبه لا يستطيع حراكا لا يملك أن يقعد ، أَوْ قاعِداً لا يستطيع أن يقوم أَوْ قائِماً لا يمشى كما اعتاد . وتعدد هذه الأحوال للدلالة على أنه يدعو فيها كلها لا في بعضها ، وهذا دليل على شدة الالتجاء إلى اللّه وكثرة الالتجاء . أو يدعو في كل أحوال الأمراض ومنها ما يلقيه في الأرض ، أو مرض يقعد فيه ولا يستطيع غيره أو يقوم من غير قدرة على السير ، والمراد في كل الأحوال كثرة الدعاء للّه وذلك مثل قوله : . . . وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ( 51 ) [ فصلت ] .